مدخل لمناقشة النصارى فى لاهوت المسيح
كتبت في: 2008-01-08
وقبل أن نبدأ بمناقشة أدلة النصارى، فإنا نسجل ملاحظات هامة في هذا الباب:
- أنه لا يوجد نص واحد في الكتاب المقدس يصرح فيه المسيح بألوهيته أو يطلب من الناس عبادته، كما لم يعبده أحد من معاصريه ، ولم ينظر إليه هؤلاء إلا كمدع للنبوة، آمن به بعضهم، وكفر بنبوته الأكثرون من اليهود، لكن دعوى ألوهيته لا أساس لها في الكتاب المقدس، وفي هذا الصدد يتحدى ديدات كبير قساوسة السويد في مناظرتهما المتلفزة قائلاً: "أضع رأسي تحت مقصلة لو أطلعتموني على نص واحد قال فيه عيسى عن نفسه: أنا إله. أو قال: اعبدوني"، وهيهات أن يجدوه.
والقس فندر يقول في كتابه "مفتاح الأسرار" مبرراً عدم تصريح المسيح بألوهيته في العهد الجديد: "ما كان أحد يقدر على فهم هذه العلاقة والوحدانية قبل قيامه وعروجه…فلو قال صراحة لفهموا أنه إله بحسب الجسم الإنساني…إن كبار ملة اليهود أرادوا أن يأخذوه ويرجموه، والحال أنه ما كان بيّن ألوهيته بين أيديهم إلا عن طريق الألغاز". ()
والخوف من اليهود لا يقبل نسبته إلى الإله أو حتى للمسيح الذي رأيناه يواجه اليهود مرراً فيقول: "الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون…أيها العميان…لأنكم تشبهون القبور المكلسة، أيها الحيات والأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم" (متى 23/13-34)، فكيف له بعد ذلك أن يغمض على البشرية في إظهار حقيقته، ففي ذلك إضلال وتلبيس.
- أن أحداً من تلاميذ المسيح لم يكن يعتقد ألوهية المسيح، إذ لم يعبده واحد منهم، بل كلهم وجميع معاصري المسيح ما كانوا يعتقدون أكثر من نبوته، وسيمر معنا تفصيله.
- ثم إن أقوى ما يتعلق به النصارى من الدليل لا يوجد إلا في إنجيل يوحنا ورسائل بولس، بينما تخلو الأناجيل الثلاثة من دليل واضح ينهض في إثبات ألوهية المسيح.
بل إن خلو هذه الأناجيل عن الدليل المفقود هو الذي دفع يوحنا – أو كاتب يوحنا - لكتابة إنجيل عن لاهوت المسيح، فكتب ما لم يكتبه الآخرون، وجاءت كتابته مشبعة بالغموض والفلسفة الغريبة عن بيئة المسيح البسيطة التي صحبه بها العوام من أتباعه.
- عدم الدليل الصحيح الصريح على ألوهية المسيح جعل النصارى يحرفون في طبعات الأناجيل الجديدة، ومن ذلك إضافتهم نص التثليث الصريح الوحيد في (يوحنا (1) 5/7).
ومثله وقع التحريف في قول بولس: " عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد" (تيموثاوس (1) 3/16) فالفقرة كما قال المحقق كريسباخ: محرفة، إذ ليس في الأصل كلمة "الله"، بل ضمير الغائب "هو"، والمقصود منه ظهور التقوى في جسد حي، فأحالته الترجمات الحديثة إلى دليل على التجسد الإلهي بالمسيح، فقالوا: "الله ظهر في الجسد" (تيموثاوس (1) 3 /16) ()، وفي النسخة الكاثوليكية تم تصحيح النص وإزالة التحريف "عظيم سر التقوى الذي تجلى في الجسد"، واختفى منها اسم الله تبارك وتعالى، وتغير المعنى واختفت الدلالة على ألوهية المسيح من النص.
ومثله تلاعب المترجمون برسالة يهوذا، حيث جاء في النسخة البرتستنتية الأشهر في المسيحية - والتي اعتمدنا عليها في هذه السلسلة - ما يوهم أن المسيح هو "القادر أن يحفظكم غير عاثرين، ويوقفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج، الإله الحكيم الوحيد، مخلّصنا، له المجد والعظمة والقدرة والسلطان الآن وإلى كل الدهور" (يهوذا 1/24-25)، والصحيح أن النص يتحدث عن الله المخلص، الذي يخلص بالمسيح ، وليس عن المسيح، فهو كما في نسخة الرهبانية اليسوعية الكاثوليكية "للإلهِ الواحد مخلصِنا- بيسوع المسيح ربِنا - المجدُ والجلال والعزة والسلطان". فالنص في النسخة البرتستنتية حذف اسم المسيح، ليوهم أنه صاحب الخلاص ، وليس واسطة الخلاص، وأنه "الإله الحكيم الوحيد"، بينما النص الكاثوليكي يتحدث عن الله "الإله الواحد مخلصنا".
لقد لجأوا إلى التحريف حين اعياهم أن يجدوا دليلاً صحيحا في دلالته على ألوهية المسيح عليه الصلاة والسلام.
|