لم تكتف الكنيسة بهذه الأنواع من التحريف، حيث أنها مع كثرتها و تنوعها لم تسعف الكنيسة في إثبات عقائدها المختلفة التي أحدثت أكثرها و أكبرها بعد موت كتبة هذا الكتاب، و بالتالي فإن هذه العقائد ليست موجودة في الكتاب.
فالأصل أن يبحث المؤمن بكتاب ما على ما يريده منه هذا الكتاب ثم يستجيب و يخضع له، و لكن المسيحيين يعتقدون ما يحلو لهم أولا، ثم يبحثون عما يؤيد هذه العقيدة، فإذا لم يجدوا أدلة لفقوا و اخترعوا، فإذا لم يمكن، أجبروا النصوص على قول ما ليس فيها، و لديهم من الحيل و الألاعيب ما يثبتون به كل ما يريدون. يعترف شنودة بوجود هذا الاتجاه بقوله:
رد النصوص:
و البابا شنودة يرفض هذا الاتجاه في رد نصوص الكتاب المقدس، و يعتبر هذا الاتجاه خطأ جسيما، إذ يقول:
و نحن نؤيده تماما، فكيف يرد المرء على كتاب يزعم أنه يؤمن أنه من عند الإله الذي يزعم أنه يعبده؟ و لكننا مع هذا التأييد لا نوافقه عندما يدعي براءة كنيسته من تهمة رد النصوص و قهرها، فما أسهل الادعاء، و ما أصعب الإثبات، لذلك فهو يقر، أو يزل لسانه بالحق رغم أنفه، فيعترف أنه يرد النصوص، فيقول:
و إن كان قد استدرك في هذه المرة و صحح ما زل به لسانه، فقد كرر لسانه نفس الزلل مرة ثانية، مما يدل على تأصل الفكرة و العقيدة في قلبه و تمكنها منه. فيقول أنه سوف يرد ليس فقط على النصوص، بل على المفاهيم اللاهوتية التي نتجت من هذه النصوص:
تشبيهات سخيفة أم رائعة؟:
القمص تادرس يعقوب ملطي يسعده تشبيهات ابن المقفع للثالوث و التي يحاور بها المسلمين ليثبت بها صدق عقيدته، و يرى أنه كلام رائع، فيقول:
و نفس هذه التشبيهات التي يراها تادرس رائعة، يراها شنودة كلاما سخيفا لا يدخل العقل، و ينصح تلاميذه أن يضعوه جانبا، فيقول:
و هذا يبين لنا أن اعتماد الإنسان على عقله مع الإعراض عن كلام الأنبياء الذين أرسلهم الله لهداية البشر، لا يوصله للحق، بل للضلال، حتى لو أعجبت به عقول في مستوى القمص العلامة تادرس.
عقيدة المسيح أم وصايا الناس؟:
بينما يقرر شنودة أن سبب ضلال الكاثوليك هو أنهم يعتبرون قرارات المجامع و كتابات آبائهم الكبار مصادر للعقيدة في قوله:
و حتى لو كانت العقيدة منطقية و موافقة للكتاب، بحسب اعتقاد شنودة و ظنه، فإن الكاثوليك يرفضونها و يتبعون الآباء، هذا ما يقرره شنودة في قوله:
إلا أنه يعترف أن نفس هذه المصادر التي هي سبب ضلال الكاثوليك هي نفسها مصادر العقيدة الأرثوذكسية، فالعقيدة الأرثوذكسية لها أربعة مصادر: الكتاب المقدس و التقليدات الكنسية و أقوال الآباء و الطقوس الكنسية، فيقول:
فإذا اعتبرنا التقليدات الكنيسة و أقوال الآباء و الطقوس الكنسية كلها مصادر بشرية كما هو واضح، كان نصيب الكتاب المقدس في إثبات العقائد هو الربع، فإذا علمنا أن المؤمن بهذا الكتاب لا يستنبط منه عقيدة إلا بعد الرجوع إلى تفسيرات الكنيسة و الآباء، كان نصيب الكتاب من إثبات العقيدة يقترب من الصفر!!!
و عندما يسأله أحد الطلبة في الكلية الإكليريكية عن الادعاء بأن أغسطينوس هو مخترع عقيدة الخطية الأصلية في القرن الرابع و الخامس، يزعم شنودة أنه مش مشكلة لما نخترع عقائد بعد قرون من أصل الدين، لأن أغسطينوس قديس عظيم تعترف به الكنيسة، فيقول:
و يقول أيضا إن منكري هذه العقيدة غلطانين، ليس لأنهم يخالفون تعاليم المسيح أو الكتاب المقدس، بل لأنهم يخالفون الكنيسة و الآباء:
يا ليت أصدقاءنا المسيحيين يلتفتون إلى هذه الملحوظة المهمة، فكيف تكون أسباب ضلال فئة من الناس هي هي أسباب هداية طائفة أخرى؟ و يا ليتهم يعملون بنصيحة شنودة نفسه عندما ينصحهم بعدم قبول كلام الناس في العقيدة حيث يقول:
و يقول إنه ينبغي أن يتبع الكتاب لا ما يخالفه:
و لكن بعض رجال الدين المسيحي- للأسف- يقررون عكس هذا الكلام، إذ يزعمون أن المسيحي لا حاجة له في الكتاب المقدس! بل يكفيه المحبة و الذهاب إلى الكنيسة و التعلم منها، هذا الأب حنا رشماوي يقرر هذه العقيدة المضلة فيقول:
و يبدو لنا أن هذا الاتجاه هو الأغلب في حياة المسيحي، حتى من يعتمدون على الكتاب المقدس في استنباط عقائدهم، فهؤلاء أيضا يفهمونه بتفسير الكنيسة، هذا التفسير الذي شوه الكثير من معالم الكتاب المقدس، المشوه أصلا كما بينا.
و بعض رجال الدين يحاولون تصحيح هذا المسار المعوج لدى أتباع الكنيسة. ينصح شنودة طلبة الأكاديمية نصيحة عظيمة، نرفع له القبعة احتراما لقوله هذا الكلام الرائع، إذ ينصح الطلبة أن يفتشوا و يتأكدوا من صدق المعلومة التي يقدمها لهم، فيقول:
يقول بعض من يسيئون الظن بالبابا أنه يقول هذا الكلام و هو يعلم يقينا أن هؤلاء الطلبة لن يفتشوا بعده و إلا فإنهم سوف يكتشفون أنه يخدعهم و يكذب عليهم و يعرض عليهم عقائد ليست في الكتاب و لم يعلم بها المسيح و لا تلاميذه.
آخرون يقولون أنه يريد الإيحاء إليهم بأنه يعطيهم معلومات موثقة و أنه لا ينزعج إذا علم أنهم يستوثقون من هذه المعلومات المضللة التي يعطيهم إياها، بل هو نفسه يطلب منهم أن يراجعوا وراءه، و هو يعلم أنهم لن يفعلوا.
آخرون يظنونه يعلن براءته من هذه العقائد، و يفتح لنفسه بابا للاعتذار أمام الله سبحانه عندما يحاسب على إضلاله أتباعه، فيعلن أنه أمرهم بعدم أخذ كلامه مسلما به، بل أمرهم بالبحث، و بهذا يعلن براءته مما يعتقدون فقد كوّنوا هذه العقيدة بناء على بحثهم الذي أمرهم به لا بناء على تعليمهم إياها.
آخرون يرون أن شنودة قد وضع في ثنايا كلامه ما يمنع تلاميذه من البحث، حيث بين لهم أنه يعطيهم طعاما مطبوخا جاهزا، فلماذا لا يأكلون مباشرة؟ لماذا يتعبون أنفسهم في طبخ طعام هو مطبوخ بالفعل؟ قال لي هذا زميل مسيحي. و نفس التعبير يذكره زكريا بطرس،
و في الحقيقة لم أفهم العلاقة بين العقيدة و الطبيخ!! فهل يخبرنا صديقنا بوجه الشبه بين العقائد المسيحية و الطبيخ، كما لم أفهم لماذا وجدت هذه التفاصيل في الكتاب إذا لم يكن مطلوبا منا الاهتمام بها، و كيف يفرق الصديق المسيحي بين ما له أهمية و ما هو تافه لا يستحق الدراسة، و هل أعطاه الكتاب ميزانا يفرق به بين ما يدرسه و ما لا يدرسه. هل يمكن أن يجيبنا الصديق الباحث عن هذه الأسئلة؟ و نكون له شاكرين.
كيف يعبر الرجل الحكيم عن عقيدته؟
يعلق البابا شنودة على بعض الضلالات التي يقع فيها الكاثوليك، في سلسلة محاضرات بعنوان" خلافاتنا مع الكاثوليك" و في إحدى المحاضرات يعترض أحد الحاضرين على تفسير شنودة لأقوال أحد الكاثوليك، فيقول إن هذا الكاثوليكي لا يقصد ما فهمه شنودة من كلامه، فيضع شنودة قاعدة ذهبية لفهم كلام الناس، فيقول:" الرجل الحكيم يقصد ما يقول و يقول ما يقصد"
و هي قاعدة عظيمة بلا شك، أن علينا أن نفهم كلام العقلاء و الحكماء من الناس كما قالوه، و ليس علينا أن نحرف في الفهم أو التفسير.
هل قال المسيح ما يقصد؟
و لكن شنودة في سلسلة أخرى من المحاضرات في الرد على النصوص التي تنكر ألوهية المسيح، يزعم أن المسيح و الكتاب المقدس لا يقصد ما يقول و لا يقول ما يقصد. و هذا عكس ما ذكره عن الرجل الحكيم، فالمسيح قال كثيرا من الكلام الذي لا يقصده بزعم شنودة، كما لم يقل كل ما يقصده بزعمه، و بهذا يصف شنودة المسيح و الكتاب المقدس بعكس الحكمة تماما، و لا أدري ما هوعكس الحكمة، هل هو البلاهة أم السفاهة أم السذاجة أم ..... ، و هل يليق أن نصف يسوع و الكتاب بهذا الوصف؟
فالمسيح لم يعلم بما يريد بحسب اعتقاد الكنيسة، أي أنه لم يقل ما يقصد كالرجل الحكيم، فلم يذكر الثالوث كما يؤكد القمص عبد المسيح بسيط
كما أنه لم يتكلم عن الأقانيم التي هو أحدها، كما يقول بسيط أيضا.
عندما أعلن يسوع أنه علم تلاميذه اسم الإله الحق، يزعم شنودة أنه كان يقصد الثالوث، و لكنه لم يحسن التعبير عن قصده، فالكنيسة تتطوع بإعارته بعضا من حكمتها و تعلن عن قصده الذي لم يقله، هكذا قال شنودة.
و هو لم يذكر أيضا الخطية الأصلية أو سبب صلبه، و لم ينطق بلسانه مرة واحدة: الإله الواحد آمين عن الثالوث ..... إلى آخر العقائد الكبرى الأساسية التي تعتقدها الكنيسة، و بهذا فقد يسوع النصف الأول من صفة الرجل الحكيم حيث لم يقل ما يقصد.
هل قصد المسيح ما يقول؟
هل فقد يسوع النصف الثاني من صفة الرجل الحكيم كذلك بقوله ما لم يقصد؟ هذا ما يؤكده البابا شنودة عندما يذكر لنا الكثير من أقوال يسوع التي لا تعني معناها.
لنستمع إلى أقوال شنودة:
عندما أعلن يسوع أنه لا يعرف موعد يوم القيامة لم يكن يقصد ما يقول، إزاي؟
و عندما خاطب يسوع الآب قائلا له إنه الإله الحقيقي وحده، لم يكن يقصد وحده كما يفهم العقلاء، بل كان يقصد شلة الثالوث كلها، لأن يسوع بطبيعة الحال لا يحسن لأن يقول ما يقصد
و بهذا يريد شنودة أن يقنعنا أن كلمة " أنت وحدك" لا تعني معناها، فكلمة " أنت" لا تعني أنت بل تعني " أنا و أنت" كما أن " وحدك" لا تعني وحدك بل تعني " كل الثالوث"
فإذا دعوت صديقا على الغداء مثلا بشرط أن يأتيك وحده، فلا تنزعج إذا جاءك بأسرته و أصدقائه، فالبابا شنودة يعلمنا أن كلمة" وحده" لا تعني وحده، بل تعني" جماعته"
يزعم شنودة أن يسوع أعلن لاهوته، و لكنه تدرج في إعلان هذا اللاهوت، و نقرأ أقوال يسوع كلها في الأناجيل الأربعة فلا نجد إعلانه لهذا اللاهوت متدرجا و لا مفاجئا، و لكننا نتذكر أن يسوع لا يحسن الإعلان عما يقصد، يقول شنودة:
و بسبب هذا التدرج، يقول شنودة إنه لا ينبغي الاحتجاج بكلام التلاميذ الذي قالوه في البداية، بل بنهاية شرحهم لعقيدتهم، و نحن نوافقه تماما لأننا نثق أن التلاميذ لم يعلموا بألوهية المسيح لا في البداية و لا في النهاية،
و يضرب مثالا لهذا التدرج المزعوم، ليس من الأناجيل، لأنها لا يوجد فيها مثال لهذا الكذب المدعى.
و لا نجد في كلام تلاميذه شرحا للاهوته متدرجا أو غير متدرج، كما لم نجد في كلام يسوع!!
كذلك كتبة الأناجيل الجهلة، لم يحسنوا أن يعبروا عن العلاقة بين الابن و الآب، حيث زعموا أن الابن كان يصلي للآب!! و لكن الحقيقة أنها لم تكن صلاة، و لكنها كانت مناجا ة بين الأقنوم الابني و الأقنوم الأبوي المساوي له، و لكن الكتبة لقلة حكمتهم و فهمهم زعموا أن الابن يصلي للآب و كأنه عبده، و لكن الحقيقة التي فهمها شنودة أنه كان يناجي زميله الأقنومي. هكذا قال شنودة.
و عندما يقول يسوع أبي و أبيكم، فهو يعني معنيين مختلفين لنفس اللفظ، بعكس كل الناس العقلاء، فهو يعني أبي لأني مثله و أبوكم لأنكم مؤمنون به.
و يدعونا شنودة إلى التفرقة بين نوعي البنوة المزعومين، دون أن يذكر لنا دليلا من كلام يسوع نفسه أو الأناجيل على هذه التفرقة.
و عندما قال إن الله إلهي و إلهكم فهو يقصد معنيين مختلفين أيضا كما يفهم شنودة قائلا:
و الكتاب المقدس عندما يعلن أن الله رأس المسيح، و المسيح رأس أتباعه، فينبغي أن نفهم أن كلمة الرأس في كل مرة استخدمت بمعنى مختلف، هكذا دون أن يكون لدينا دليل على هذا الاستخدام المختلف.
بل إن كثيرا من الألفاظ هي كذلك بمعاني مختلفة.
و الاستثناء في كلام يسوع لا يعني الاستثناء كما يفهمه البشر، بل له معنى مختلف، و لا بد أن تفهمه بطريقة أخرى، إيه هي الطريقة الأخرى؟ لو شاطر تفهم يعني إيه استثناء مطلق!!
و عندما يعبر الكتاب المقدس عن المسيح أنه بكر كل خليقة في كولوسي 1 : 15 ، و أنه بداءة خليقة الله كما في رؤيا 3 : 14 فالكتاب لا يعني أنه مخلوق كما يتبادر إلي ذهن القارئ العاقل، بل يعني أنه رأس و رئيس الخليقة، و لكن الكتبة الجهلة لم يحسنوا التعبير.
و المسيح عندما يعلن أنه لا يقدر أن يفعل من نفسه شيئا، فهو لا يعني ما يقول، بل يقول ما لا يقصد.
و يسأل أحد القديسين سؤالا لا يصدر ممن عنده أدنى فكرة عن الدين أو التدين، فيعترض على معنى قول المسيح: أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا، و يسأل: فإذا كان كل إنسان يقدر أن يفعل ما يريد، فهل نمنع هذه المقدرة عن المسيح؟ و الجواب: نعم، نمنع هذه المقدرة عن المسيح، و عن كل نبي، و كل من يريد إرضاء الله سبحانه، فهو يمتنع عن فعل كثير مما تهواه نفسه إلا ما يراه في مرضاة الله، أما الماجنون و الفساق فيفعلون ما يريدون دون أدنى التفات إلى ما يرضي الله. و هو ما وضحه سيدنا المسيح نفسه كما روى يوحنا عنه في إنجيله 8: 29 لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ
فهذا الذي يظنه هذا القديس كلاما غير مقبول، هو المعنى الصحيح المقبول الذي لا يمكن لعاقل أن يقبل سواه. دون أن يكون هذا انتقاصا من قدر المسيح، بل بطاعته لله رفعه الله كما صرح بهذا الكتاب المقدس نفسه، و هو ما يعترض عليه القديس الكبير.
و يزعم قديس آخر أن المسيح لا يعمل من ذاته لأن أقنوم الآب فيه.
و إذا كانت الأقانيم متساوية كما يعتقد هؤلاء القديسون، فهل يجوز أن نقول إن الآب أيضا لا يقدر أن يفعل من نفسه شيئا؟ و أنه يفعل إرادة الابن؟ و هل ذكرت الأناجيل أو غيرها من الأسفار المقدسة أن الآب لا يفعل إلا ما يرضي الابن؟
و عندما تعلن الأناجيل أن الله أعطى المسيح سلطانا أو معجزات أو أشياء، فهذا التعبير لا يعني الإعطاء كما نفهم، فهذه الأشياء كانت عنده من قبل، و لكن كتاب الأناجيل بيهزروا معانا، و في الآخر ح يقولولنا: بخ ضحكت عليك.
و الكتاب المقدس عندما يعلن خضوع المسيح يوم القيامة لله، لا يقصد المسيح!! و إنما يقصد المؤمنين به!!!! و هل الكفار لن يخضعوا لله يوم القيامة؟ و لماذا قال الكاتب المسيح إذا كان يقصد المؤمنين؟ سبحان مثبت العقول و القلوب.
و خضوع المسيح لله يوم القيامة خضوع نظري لا عملي، هكذا أوحى الروح القدس لشنودة.
و جعل الله للمسيح مسيحا كما يعبر الكتاب المقدس لا تعني ما تفهمه من الكلام، بل هو كان مسيحا من قبل بإرادته.
و عندما نتدبر هذا المثال الذي ضربه شنودة لطلابه نعرف ببساطة أنه يخدعهم، شنودة يزعم أن النص يتحدث عن هداية الله للناس، و لكن النص يكذبه، و يعلن انه يتحدث عن عودة بني إسرائيل من السبي و جمعهم بعد تشتتهم، ثم إن شنودة ينكر أن يتحدث النص عن ألوهية لله حادثة عند بني إسرائيل، لأن الله هو إله الكون منذ الأزل و إلى الأبد، و هذا الكلام الفارغ لا يقوله طالب مبتدئ في دراسة العقائد، فإذا قلنا إن الله هو إله الهندوس، فهذا من حيث أنه خالقهم و رازقهم و المستحق للعبادة منهم، فإذا اهتدى بعضهم قلنا لقد صار الله إلها لهم بمعنى أنهم صاروا يعتبرونه إلها لهم يتوجهون إليه بالعبادة و الطاعة.
و هذا ما يقوله النص، إذ يقول قبل اقتباس شنودة مباشرة: 23وَلاَ يَتَنَجَّسُونَ بَعْدُ بِأَصْنَامِهِمْ وَلاَ بِرَجَاسَاتِهِمْ وَلاَ بِشَيْءٍ مِنْ مَعَاصِيهِمْ، بَلْ أُخَلِّصُهُمْ مِنْ كُلِّ مَسَاكِنِهِمِ الَّتِي فِيهَا أَخْطَأُوا، وَأُطَهِّرُهُمْ فَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلهًا.
و ما يعجب شنودة أن يأخذه بالمعنى الحرفي فهذا ينبغي أن نفهمه حرفيا، و لو كان غير مقصود.
و في كل دول العالم يعتبرون أن إكرام سفير دولة ما هو فرع من إكرام الدولة أو رئيسها، دون أن يعتبر أي عاقل السفير رئيسا.
أما ما لا يوافق هواه فهو بلا شك لا يفهم حرفيا،
و يعطينا شنودة قاعدة مهمة لإثبات الثالوث من الكتاب، فيزعم أن لفظ الجلالة " الله" قد يعني الآب وحده و قد يعني غيره من الأقانيم أو كلها معا، فيقول:
و عند البحث في هذه القاعدة التي وضعها نجدها كاذبة و لا أصل لها، فزعم شنودة أن كلمة " الله " عندما ترد في الكتاب المقدس، قد تعني الآب وحده، نوافقه عليه لأنه واضح من النصوص الآتية:
لأن هذا الله الآب قد ختمه. يوحنا 6 : 27
و بعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب. 1كورنثوس 15 : 24
بيسوع المسيح و الله الآب الذي أقامه من الأموات غلاطية 1 : 1
نعمة لكم و سلام من الله الآب و من ربنا يسوع المسيح. غلاطية 1 : 3
سلام على الإخوة و محبة بإيمان من الله الآب و الرب يسوع المسيح. أفسس 6 : 23
و يعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب. فيلبي 2 : 11
لمعرفة سر الله الآب و المسيح. كولوسي 2 : 2
في الله الآب و الرب يسوع المسيح نعمة لكم. 1تسالونيكي 1 : 1
و سلام من الله الآب و المسيح يسوع ربنا. 2تيطس 1 : 2
نعمة و رحمة و سلام من الله الآب. تيطس 1 : 4
الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب. يعقوب 1 : 27
به نبارك الله الآب. يعقوب 3 : 9
بمقتضى علم الله الآب السابق. 1بطرس 1 : 2
لأنه أخذ من الله الآب كرامة و مجدا. 2بطرس 1 : 17
تكون معكم نعمة و رحمة و سلام من الله الآب. 2يوحنا 1 : 3
إلى المدعوين المقدسين في الله الآب. يهوذا 1 : 1
فكل كتبة العهد الجديد تقريبا ذكروا اسم الله الآب.
أما زعمه أن كلمة " الله" قد تعني الثالوث في التعبير الكتابي، فهذا زعم باطل نكذبه فيه،لأننا نبحث في نصوص كل الكتاب، حتى عند كاتب واحد من الكتبة الثمانية، نص واحد يقول: الله الابن، فلا نجد، الله الروح القدس، لا يوجد، الله الثالوث، العب غيرها!!
فمن أين أتى شنودة و قديسوه بهذه القاعدة الكاذبة؟!
ملحوظة مهمة:
نحن المسلمين لا نصدق أن سيدنا المسيح نطق بفمه المبارك الطاهر كلمة " الإله الآب" و لا مرة واحدة، لسبب بسيط هو أن الآب إله وثني، و يستحيل أن يدعو المسيح النبي العظيم إلى عبادة إله وثني، هذا ما يعرفه المسلم ببديهته.
جاء في دائرة المعارف الكتابية فصل: بابل واشور- ديانتهما، أن الإله الآب هو إله وثني، ربما كان إله القمر، و كان الوثنيون يرنمون له ترنيمة تبين أنهم كانوا يعتبرونه إلها كبيرا أو كبير الآلهة، و يتبعه و ينضوي تحت سلطانه جمع من الآلهة الصغار. و مما جاء في هذه الترنيمة: يا رب، يا إله الآلهة، الوحيد المتعالي علي الأرض و في السماء أيها الآب نانار، الرب أنشار، كبير الآلهة. أيها الآب نانار، الرب، آنو العظيم، كبير الآلهة. أيها الآب نانار، رب أور، كبير الآلهة.
و في قصة حياة القديس مرقوريوس أبي سيفين إصدار كنيسة مارجرجس باسبورتنج بالإسكندرية: ولد حوالي سنة 224م بمدينة رومية من أبوين وثنيين سمّياه فيلوباتير أي محب الآب. و كلمة باتير

هي الآب باليونانية.
و قالت دائرة المعارف الكتابية تحت عنوان" أبا": هي كلمة أرامية بمعنى" أب " و لا توجد في العهد القديم في العبرية و لا في الترجمــة السبعينية. و قد استخدمها اليهود و المسيحيون الأوائل في مخاطبة الله، ثم استخدمت بعد ذلك في الشرق لقباً للأساقفة و البطاركة. و قد خاطب الرب يسوع الآب بهذا اللقب في صلواته، و نقلت إلى العربية مترجمة إلى: أيها الآب أو يا أبتاه.اهـ
و لا يعقل أن إله العهد القديم قد نسي اسمه الآب، أو أهمل أن يعلم شعبه هذا الاسم، ثم تذكره فجأة في العهد الجديد، و لكن الصواب أنه انتقل إلى نسخ العهد الجديد عن طريق النساخ الذين تحدثنا عنهم في السابق و رأينا كيف أدخلوا في نسخ الكتاب ما ليس منه.
و أساس فكرة الإله الأب، أن الوثنيين ينظرون إلى الكون ليس كمخلوق لله، بل كمنبثق أو مولود منه، يقولون إن الإله هو مصدر الوجود، و كأن الكون جزء منه، كما جاء في القاموس الموسوعي للعهد الجديد ص 525:
لذلك فقد اعتبر الإله كأب في أغلب الديانات الوثنية كما في نفس الصفحة:
و هذا القاموس الذي يعطينا هذه المعلومات الخطيرة قام على ترجمته 7 مترجمين مسيحيين، و قام على المراجعة بعدهم لجنة من كبار العلماء ذوي الأسماء و المناصب الرفيعة، كما ورد بالمقدمة:
تذكر المزامير أن الله قال لداود: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك. و لكن شنودة لا يريدنا أن نفهم النص كما هو، لأن المزامير أيضا كتبتها جهلة سذج لا يحسنون التعبير عما يقصدون، فالكلام الموجه لداود ليس موجها لداود بل للمسيح، و كلمة" اليوم" لا تعني اليوم، بل باستمرار منذ الأزل و إلى الأبد، و لا عزاء للعقلاء.
و من الطبيعي أن يكون الكتاب المقدس خائبا ساذجا سفيها لا يحسن التعبير عما يريد، إذ كان كتبته كذلك، بل و إلهه كما يبينه شنودة، فالكتاب يذكر تعبيرات خاطئة، في محاولة لتفهيم الناس الصواب!! كيف يكون هذا؟ لا تسأل.
و هو لا يعرف الفرق بين ابن الإنسان و ابن الإله!!
و لسبب لا نعرفه، لا يقدر الكتاب على التعبير السليم عما يريده، و على الناس أن يفهموا ما يقصده لا ما يقوله.
و لسبب لا نعرفه أيضا لا يستخدم الكتاب المقدس الكلمات في معانيها الموضوعة في القاموس، بل للكتاب المقدس قاموس خاص به، و لا أدري كيف نحصل على معاني الكلمات في الاصطلاح الكتابي، و كيف نتأكد من صحة هذا الاستخدام الكتابي الخاص!!
و الكتاب المقدس يقول ناسوت و يقصد اللاهوت، و يقول لاهوت و يقصد ناسوت، لا أدري بقصد الهزار أم اللخبطة، أم أنه يعرف أن قراءه سيكونون عباقرة يفهمونها و هي طايرة، لذلك تبدو العقيدة التي يعلمها هذا الكتاب عقيدة عجيبة فعلا، بشهادة البابا العجيب.
و هكذا فقد اعتبرت الكنيسة يسوع و كتابه المقدس سفيهين، و جعلت من نفسها قيما و وصيا عليهما، تقول باسمهما ما لم يقولاه، و تنفي ما قالاه، و تفسر أقوالهما بما لا يتفق مع أي قواعد للمنطق أو اللغة. فهل تقبل ذلك أيها الصديق؟ نحن لم نقبل ذلك، لهذا جعلنا موقعنا منبرا للدفاع عن صورة المسيح التي شوهتها و مسختها الكنيسة، فهل تشاركنا أيها الصديق هذه الغاية النبيلة؟ هل تحمل معنا محبة المسيح الحقيقي في قلبك، و تدافع عما قاله بلسانه الطاهر المبارك؟ نحن ندعوك لدراسة أدلتنا بقلب و عقل متفتح، فتش كتابك، ناقش هذه العقائد التي تعرض عليك، ثم اتبع الحق الذي جاء به المسيح، و كل الأنبياء.
نصيحة أخيرة في أذنك:
في نهاية هذه الرحلة الطويلة الممتعة نرجو أن تحصل أيها الصديق على الثمرة المرجوة، نرجو ألا يمنعك العناد أو الهوى عن رؤية الحق الواضح كشمس النهار، هذا هو تشبيه أحد إخواننا الذين أسلموا لله تعالى، اقتبسه من كتاب مسيحي، يزعم أن ألوهية يسوع كالشمس لا تستطيع أيادينا الصغيرة أن تخفيها، فلما انتقل إلى الإسلام، رأى الشمس الحقيقية بنورها الساطع الرائع، إنها شمس الإسلام، يقول:
و ينصح أولئك الذين يتعامون عن رؤية هذا النور العظيم، و الذين يحاولون إخفاءه و حجبه بأياديهم الصغيرة، و يحذرهم أن هذه المحاولات ليس فقط لن تخفي الشمس، بل أيضا سوف تحرق أياديهم
و لا يخفى عليك أيها الصديق أن هذه اليد التي يحاول بها رجال الدين إخفاء الحق كثيرا ما تصادف هوى أتباعهم، فلا يصح أن نلوم رجال الدين فقط، بل نلوم الأتباع أيضا، أولئك الذين تركوا الإله الحق العظيم الذي أمر باتباعه و عبادته، و يعبدون آلهة تافهة لا وزن لها في ميزان الألوهية، و فضلا عن ذلك، هي لم تأمر بعبادتها، بل و لا تشعر بهذه العبادة، و هذا ما يشعر به المرء بمجرد انتقاله من هذه العبادة الباطلة إلى الدين الحق، يشعر بعظمة الإله الحقيقي، و تفاهة ما كان يعبد، يقول أخونا، استمع إليه بأذنيك و عقلك و قلبك و هو يبكي عمره الذي ضاع في عبادة أصنام يسوع و أيقونات القديسين:
استمع إلى أختنا التي تبكي حقارة فكرها السابق قبل أن تدخل إلى نور الإسلام الحق، و تنعي انحطاط و تخلف عقلها الذي أنكر الإله الحق يوما ما:
و تعلن فرحتها بأنها صارت في هذه اللحظة إنسانة كاملة الإنسانية لأول مرة، عندما قبلت هذا الدين الذي رفع مكانتها إلى المرتبة الآدمية:
كذلك أخونا يعلن نفس الإعلان، لقد شعر بإنسانيته و كرامته و آدميته في هذه اللحظة فقط:
ندعوك أيها الصديق أن تبحث بحثا جادا عن الحق، ليس بالضرورة أن يكون الحق ما عليه آباؤك، و إلا لكانت كل الأديان حقا، ليس بالضرورة أن يكون دين الأكثرين حقا، فالبوذيون بالملايين، و المسلمون كذلك، و الهندوس و المسيحيون. الحق هو فقط ما قام عليه الدليل القاطع و البرهان الساطع، دعك من تمويهات و ألاعيب رجال الدين، اتبع ما يقودك إليه عقلك و قلبك و فكرك، هذه الآلات التي أكرمك الله بها.
نرجو أيها الصديق أن نكون قد وفينا هذا السؤال حقه من الإجابة، و نرجو أن تكون إجابتنا مقنعة لعقلك و قلبك، و نرجو أن تنحاز للحق الواضح. اترك كنيسة التحريف، تمسك بما قاله سيدك المسيح، راسلنا إذا اشتبه عليك شيء أو اعترضت على أمر، نعدك أن نهتم بأمرك، بكل رسالة ترسلها إلينا، بكل سؤال تسأله، و لكن لا تدفن رأسك في التراب و الطين، هذه الرأس التي شرفك الله بها، لا تتركها في الوحل، و لا تحاول أن تجمل الوحل، و أختم حديثي إليك بكلمة لأديبنا الكبير محمد عبد الحليم عبد الله: لا تغسلوا الوحل، لأن غسيل الوحل لا ينظفه، بل يزيده وحولة.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين
التالى: المراجع